تصبغ الضوء الأزرق وتلف الكولاجين، الأسباب وطريقة الوقاية
By Dr. Lee6 min read

مع زيادة الوقت الذي نقضيه أمام شاشات الهواتف والحواسيب، لم يعد مصطلح الضوء الأزرق غريباً على أسماعنا. عُرف أولاً بأنه يسبب إجهاد العينين، لكن الدراسات الحديثة بدأت تكشف تأثيره على البشرة أيضاً. وعلى عكس الأشعة فوق البنفسجية، لا يسبب الضوء الأزرق حروقاً مباشرة، لكنه يتميز بطول موجي أكبر يجعله يخترق طبقات الجلد الأعمق. في هذا المقال نوضح ما يحدث فعلاً في تلك الطبقات العميقة، ولماذا قد يؤدي هذا التعرض إلى التصبغ وترهل البشرة.
هل يمر الضوء الأزرق عبر الزجاج؟
الضوء الأزرق هو جزء من الضوء المرئي يتراوح طوله الموجي بين 400 و490 نانومتر. يوجد بشكل طبيعي في ضوء الشمس، لكن معظم تعرضنا اليوم يأتي من المصادر الاصطناعية، أي شاشات الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة اللوحية وإضاءة LED، وهو تعرض يمتد لساعات طويلة يومياً.
فمن يقضي معظم يومه أمام الشاشة يظل معرضاً للضوء الأزرق حتى لو وضع واقي الشمس وبقي في الداخل. فأشعة UVB مثلاً لا تخترق الزجاج العادي بسهولة، بينما تمر أشعة UVA والضوء الأزرق عبر الزجاج دون عائق تقريباً. لهذا يستمر التعرض حتى بجانب نافذة، داخل السيارة، أو حتى في الأيام الغائمة.
لماذا يصل الضوء الأزرق إلى الأدمة؟
كلما قصر الطول الموجي للضوء، امتص بشكل أكبر عند سطح البشرة، وكلما طال، تغلغل أعمق. أشعة UVB (280 إلى 320 نانومتر) قصيرة الموجة نسبياً، لذا يمتصها الوعاء الخارجي للجلد، أي البشرة، في معظمها. أما أشعة UVA (320 إلى 400 نانومتر) فطولها الموجي أكبر، فتتجاوز البشرة وتصل إلى الأدمة تحتها، وهذا ما يجعلها السبب الرئيسي للشيخوخة الضوئية، أي التجاعيد وفقدان المرونة الناتج عن أشعة الشمس. والضوء الأزرق أطول موجياً حتى من UVA، فيصل هو أيضاً إلى الأدمة. ولأن الأدمة هي الطبقة التي يوجد فيها الكولاجين والإيلاستين، فإن مجرد وصول الضوء إلى هذا العمق يشكل مشكلة بحد ذاته.
يمكن تشبيه ذلك بضيف يتوقف عند باب المنزل ويعود أدراجه، وهذا حال أشعة UVB. أما أشعة UVA والضوء الأزرق فأشبه بضيف يفتح الباب ويدخل حتى غرفة الجلوس. وكلما تعمق الدخول، زادت احتمالية التأثير المباشر على الخلايا والبروتينات الموجودة هناك.
الإجهاد التأكسدي في الأدمة
عندما يصل الضوء الأزرق إلى الأدمة، يحدث تفاعل داخل الميتوكوندريا، وهي العضية الصغيرة داخل الخلية المسؤولة عن إنتاج الطاقة. توجد داخل الخلايا مادة تسمى الفلافين، وعندما تمتص هذه المادة الضوء الأزرق، تنتج جذوراً حرة، وهي جزيئات أكسجين غير مستقرة تسبب تلف الخلايا.
يمكن تشبيه الجذور الحرة بالصدأ. فكما يصدأ المعدن تدريجياً عند تعرضه للأكسجين في الهواء، تتضرر الخلية تدريجياً عند تعرضها للجذور الحرة، فيتلف غشاؤها الخلوي والحمض النووي والبروتينات شيئاً فشيئاً. وعندما يتراكم هذا التلف، تفقد الخلايا قدرتها على أداء وظيفتها بشكل صحيح، وقد يتسارع ظهور الالتهاب وعلامات الشيخوخة.
ومن أكثر الخلايا تأثراً في هذه العملية الأرومات الليفية، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الكولاجين داخل البشرة. وتشير التقارير إلى أن الأرومات الليفية المعرضة للجذور الحرة تنتج الكولاجين بوتيرة أبطأ، كما تضعف قدرتها على التكاثر. وكأن المصنع الذي ينتج الكولاجين بات مرهقاً، فتظهر آثار ذلك تدريجياً على شكل تغيرات ملحوظة مع مرور الوقت.
كيف يتكون التصبغ؟
يُعرف أن بروتيناً يسمى أوبسين 3 (OPN3) يشارك في تحفيز الضوء الأزرق للتصبغ. وأوبسين 3 هو في الأصل بروتين موجود في شبكية العين يستشعر الضوء، لكن اللافت أنه موجود أيضاً في الخلايا الصبغية بالبشرة، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الصبغة.
فعندما يحفّز الضوء الأزرق بروتين أوبسين 3، تنتج الخلايا الصبغية كمية أكبر من الميلانين مقارنة بالمعتاد. وبما أن هذا مسار مختلف عن ذلك الذي تسببه الأشعة فوق البنفسجية، فمن الصعب منعه بالكامل باستخدام واقي الشمس وحده. وتشير التقارير إلى أن هذا التفاعل يظهر بوضوح أكبر لدى أصحاب البشرة الداكنة.
وغالباً ما تظهر التغيرات الفعلية على شكل بقع بنية أو باهتان عام في لون البشرة. وبدلاً من أن تظهر كنقطة محددة في مكان واحد، تنتشر بشكل خفيف على الوجه كله المعرض للشاشة لفترات طويلة، لذا قد يستغرق ملاحظتها بعض الوقت.

تكسر الكولاجين وفقدان المرونة
عندما يتراكم الإجهاد التأكسدي، ينتج الجسم كمية أكبر من إنزيم MMP (matrix metalloproteinase)، وهو الإنزيم المسؤول عن تفكيك الكولاجين القديم أو التالف. ووظيفة هذا الإنزيم في الأصل إزالة الكولاجين البالي لإفساح المجال أمام كولاجين جديد. لكن مع زيادة الجذور الحرة، تصبح عملية القص هذه نشطة أكثر من اللازم، فتصبح كمية الكولاجين المفكّك أكبر من كمية الكولاجين الجديد الذي يحل محله.
ونتيجة لذلك، يتراجع تدريجياً الكولاجين والإيلاستين اللذان يدعمان بنية البشرة، فتقل المرونة وتزداد الخطوط الدقيقة. والاتجاه هنا يشبه الشيخوخة الضوئية الناتجة عن الأشعة فوق البنفسجية، لكن الفارق أن هذا التراكم يحدث يومياً وبشكل تدريجي أمام الشاشة.
يمكن تخيل الأمر كمبنى تتآكل أعمدته تدريجياً. لا ينهار المبنى دفعة واحدة، لكن إذا تآكلت مادة الأعمدة قليلاً كل يوم، يبدأ المبنى بأكمله بالترهل والاهتزاز مع مرور الوقت. والكولاجين لا يختلف كثيراً عن ذلك، فالتغير اليومي قد يكون طفيفاً، لكن تراكمه على مدى سنوات يغير فعلياً من قوة الدعم التي تمنحها البشرة لنفسها.
هل تؤثر الشاشة ليلاً في النوم؟
لا يؤثر الضوء الأزرق في البشرة فقط، بل يؤثر أيضاً في الساعة البيولوجية للجسم. فالتعرض الطويل له يقلل من إفراز هرمون الميلاتونين، وهو الهرمون المسؤول عن تحفيز النوم. وفي الحالة الطبيعية، يزيد الجسم إفراز الميلاتونين مع غروب الشمس وحلول الظلام استعداداً للنوم، لكن استمرار وصول ضوء أزرق ساطع إلى العينين يجعل الجسم يعتقد خطأً أن النهار لا يزال مستمراً.
وعندما يصبح النوم قليلاً أو سطحياً، يتأثر تجدد البشرة أيضاً. فأثناء النوم تنشط عمليات إصلاح الخلايا وتخليق الكولاجين، وعندما تتراجع جودة النوم، يتباطأ هذا الإصلاح معها. وفي النهاية، تصبح عادة استخدام الشاشة حتى وقت متأخر من الليل عبئاً مزدوجاً على البشرة والنوم معاً.

كيف نقلل التعرض للضوء الأزرق؟
أول خطوة عملية يمكن اتخاذها هي تقليل التعرض نفسه. وتُعرف الطرق التالية بأنها مفيدة في هذا الصدد.
- استخدام وضع الليل وتعديل سطوع الشاشة: تفعيل وضع الليل (وضع تقليل الضوء الأزرق) في الهاتف والحاسوب يقلل من نسبة الموجات الزرقاء الصادرة عن الشاشة. فالتعديل يغيّر فعلياً تركيبة الطول الموجي للضوء، وهذا ما يقلل من كمية التعرض.
- الحفاظ على مسافة كافية عن الشاشة: إبعاد الشاشة قليلاً عن الوجه والعينين يقلل من شدة الضوء الواصل إلى البشرة، لأن كثافة الضوء تنخفض بشكل حاد كلما زادت المسافة.
- استخدام واقي شمس يحتوي على أكسيد الحديد: واقيات الشمس العادية تحجب الأشعة فوق البنفسجية لكنها تسمح لمعظم الضوء الأزرق بالمرور. أما المنتجات التي تحتوي على مادة iron oxide فتحجب أيضاً نطاق الضوء المرئي، وهذا مفيد في الأيام التي يكثر فيها التعرض للشاشات.
- الاعتماد على مكونات مضادة للأكسدة: مكونات مضادة للأكسدة مثل niacinamide وvitamin C تساعد في تحييد الجذور الحرة الناتجة عن الضوء الأزرق. وكأنها خط دفاع يُبنى مسبقاً قبل أن ينتشر التفاعل التأكسدي.
- تقليل استخدام الشاشة قبل النوم: يُنصح بتقليل استخدام الشاشة قبل النوم بساعة إلى ساعتين للمساعدة في الحفاظ على النظام الحيوي، فهذا يمنح إفراز الميلاتونين وقتاً كافياً للعودة إلى مساره الطبيعي.
قد يكون تغيير كل هذه العادات دفعة واحدة صعباً، لكن الالتزام ببعضها فقط وبشكل مستمر كافٍ لتقليل التعرض المتراكم بشكل ملحوظ.
References
Korean Dermatological Association, American Academy of Dermatology (AAD), and Ministry of Food and Drug Safety (MFDS).
هل كان هذا مفيدًا؟
About this article
كُتب بواسطة طبيب تجميلي ممارس، ومخصّص للتثقيف العام — وليس بديلًا عن الاستشارة الطبية الفردية.
Read next

الفرق بين SPF وPA في واقي الشمس: كم نضع منه؟
تنقسم الأشعة فوق البنفسجية الصيفية إلى نوعين، الأشعة UVB التي تحرق سطح البشرة وتحمرّها، والأشعة UVA التي تتغلغل بعمق وتدمر الكولاجين تدريجياً. نوضح هنا ما الذي يحميه كل من SPF وPA، وكيفية وضع واقي الشمس بالطريقة الصحيحة، إضافة إلى العناية بمضادات الأكسدة.
By Dr. Kim

ليزر النمش وفعاليته، أيهما أنسب البيكو أم كيو سويتش؟
غالباً ما تستجيب بقع النمش المتناثرة على الأنف والخدين جيداً لليزر لأن صبغتها تقع في طبقة سطحية من الجلد. يستعرض هذا المقال الفرق بين النمش والكلف، وكيفية الاختيار بين ليزر البيكوثانية (picosecond) وكيو سويتش (Q-switched) وIPL، إضافة إلى العناية بعد الجلسة لتفادي التصبغ ومنع عودة النمش بسبب الشمس.
By Dr. Lee

حب الشباب الكيسي، الأسباب والعلاج ولماذا لا يجوز عصره؟
حب الشباب الكيسي هو نوع يمتد فيه الالتهاب بعمق داخل المسام. وخلافًا لحب الشباب السطحي، يصل الضرر فيه إلى الأدمة، مما يجعله عرضة لترك الندوب. نستعرض في هذا المقال سبب هذا التقيّح العميق والصلب، وكيفية تهدئته من خلال العلاج الطبي.
By Dr. Kim